الشيخ محمد آصف المحسني
94
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
الضابطة الثالثة : في انحصار العبادة له تعالى بعد ما ثبت التوحيد الذاتي والفاعلي فقد ظهر أنّه لا مستحق للعبادة إلا الله الواحد القهار ، وبيان ذلك يتمّ في ضمن فوائد : الفائدة الأولى : العبادة بمعنى الخضوع والتذلّل والطاعة ، ويراد منها في عرف المتشرعة هذا المعنى بعينه ، لكن بنحو التألّه . فالعبادة هي الخضوع محفوفاً ببناء القلب بجعله شعاراً وتديناً . وحاصل مقصودنا في هذا المقام : أنّه لا يستحق أحد أن يتألّه له إلا الواجب الخالق قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ « 1 » . نعم ، مطلق الخضوع وإن لم يكن عن تألّه لا يخص الله سبحانه ، لعدم دليل عليه من العقل والشرع ، بل يجوز لغير الله تعالى أيضاً ، كما تقتضيه الفطرة الإنسانية في أخلاقه الاجتماعية ونظمه المدنية ، بحيث لو لاه لاختلّت السلاسل الأدبية ، فكيف يأمر الله تعالى بإهماله وهو مدبّر النظام ؟ ! بل هو سبحانه أكّد هذه السيرة العقلائية بقوله مخاطباً لنبيه : وَاخْفِضْ جَناحَكَ ، لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ « 2 » . لكنه إذا لم يستلزم الخضوع للغير وطاعته نقصاً في الغاية الخلقية ، وإلا يحرم بتاتاً ؛ لأنّ الغاية المذكورة فوق الغايات وغاية النهايات . قال الله سبحانه : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً « 3 » . حتى وإن كان هذا الغير رباً صغيراً كالأبوين وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما « 4 » . ومن هذا القبيل : السجود لغير الله تعالى ولو على غير نحو التألّه ، لقوله تعالى : لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي
--> ( 1 ) - الرعد / 36 . ( 2 ) - الشعراء 26 / 215 . ( 3 ) - الإنسان 76 / 24 . ( 4 ) - لقمان 31 / 15 .